الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
169
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المطلب حين أسرّ ببدر أنّه مسلم ، وأنّ المشركين أكرهوه على الخروج إلى بدر ، ولعلّ بعض الأسرى غيره قد قال ذلك وكانوا صادقين ، فلعل بعض المسلمين عطفوا عليهم وظنّوهم أولياء لهم ، فأخبر اللّه المسلمين وغيرهم بحكم من آمن واستمرّ على البقاء بدار الشرك . قال ابن عطية : « مقصد هذه الآية وما بعدها تبيين منازل المهاجرين والأنصار والمؤمنين الذين لم يهاجروا والكفار ، والمهاجرين بعد الحديبية وذكر نسب بعضهم عن بعض » . وتعرضت الآية إلى مراتب الذين أسلموا فابتدأت ببيان فريقين اتّحدت أحكامهم في الولاية والمؤاساة حتى صاروا بمنزلة فريق واحد ، وهؤلاء هم فريقا المهاجرين والأنصار الذين امتازوا بتأييد الدين . فالمهاجرون امتازوا بالسبق إلى الإسلام وتكبّدوا مفارقة الوطن . والأنصار امتازوا بإيوائهم ، وبمجموع العملين حصل إظهار البراءة من الشرك وأهله ، وقد اشترك الفريقان في أنّهم آمنوا وأنّهم جاهدوا ، واختص المهاجرون بأنّهم هاجروا واختص الأنصار بأنّهم آووا ونصروا ، وكان فضل المهاجرين أقوى ؛ لأنّهم فضلوا الإسلام على وطنهم وأهليهم ، وبادر إليه أكثرهم ، فكانوا قدوة ومثالا صالحا للناس . والمهاجرة هجر البلاد ، أي الخروج منها وتركها ، قال عبدة بن الطبيب : إنّ التي ضربت بيتا مهاجرة * بكوفة الجند غالت ودّها غول وأصل الهجرة الترك واشتقّ منه صيغة المفاعلة لخصوص ترك الدار والقوم ، لأنّ الغالب عندهم كان أنّهم يتركون قومهم ، ويتركهم قومهم إذ لا يفارق أحد قومه إلا لسوء معاشرة تنشأ بينه وبينهم . وقد كانت الهجرة من أشهر أحوال المخالفين لقومهم في الدين ، فقد هاجر إبراهيم عليه السلام وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ [ الصافات : 99 ] . وهاجر لوط عليه السلام : وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ العنكبوت : 26 ] ، وهاجر موسى عليه السلام بقومه ، وهاجر محمد صلى اللّه عليه وسلم وهاجر المسلمون بإذنه إلى الحبشة ، ثم إلى المدينة يثرب ، ولما استقرّ المسلمون من أهل مكّة بالمدينة غلب عليهم وصف المهاجرين وأصبحت الهجرة صفة مدح في الدين ، ولذلك قال النبي صلى اللّه عليه وسلم في مقام التفضيل : « لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار » و قال للأعرابي : « ويحك إنّ شأنها شديد - وقال - لا هجرة بعد الفتح » .